المغرب يمسك بخطوط أوروبا الحساسة

لم تعد أزمة الهجرة في جيبي سبتة ومليلية الخاضعين للإدارة الإسبانية مجرد ملف حدودي، بل تحولت إلى اختبار جيوسياسي يكشف هشاشة العلاقة بين المغرب وإسبانيا، ويضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍ يتعلق بأمن حدوده الجنوبية وقدرته على إدارة ملف الهجرة.
ووفق تحليل نشرته صحيفة إسرائيلية، فإن الاضطرابات الأخيرة في الجيبين الواقعين شمال المغرب تجاوزت نطاق الحوادث الأمنية المحلية، بعدما شهدت المنطقة موجات عبور كبيرة للمهاجرين، ما أعاد تسليط الضوء على الوضع السياسي والجغرافي لسبتة ومليلية باعتبارهما نقطة تماس مباشرة بين أوروبا وأفريقيا.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة تعكس استمرار الخلاف حول السيادة على الجيبين، في ظل رفض المغرب الاعتراف بالسيادة الإسبانية عليهما ومطالبته باستعادتهما، ما يجعل الملف حاضرًا في العلاقات بين الرباط ومدريد منذ عقود.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعتمد فيه إسبانيا والاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على تعاون المغرب في الحد من الهجرة غير النظامية، مقابل تقديم دعم سياسي ومالي للرباط، الأمر الذي يجعل ملف الحدود ورقة ذات تأثير في العلاقات الثنائية.
كما أعادت الأزمة طرح أهمية الموقع الجغرافي لسبتة ومليلية، القريب من مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يرتبط استقراره بأمن الملاحة وسلاسل الإمداد والتجارة بين أوروبا وشمال أفريقيا.
وتتداخل في الأزمة عوامل متعددة، من بينها نشاط شبكات تهريب البشر، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وسياسات الهجرة الأوروبية، إضافة إلى الخلافات السياسية بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع تدفقات المهاجرين.
وتواجه الحكومة الإسبانية ضغوطًا داخلية وأوروبية على خلفية سياساتها المتعلقة بالهجرة، في وقت تتجه فيه دول أوروبية عدة نحو تشديد إجراءاتها الحدودية، بينما تتبنى مدريد مقاربة أكثر انفتاحًا في بعض الملفات المرتبطة بسوق العمل والهجرة.
ويرى التقرير أن هذه الظروف تمنح المغرب مساحة أكبر للمناورة السياسية، باعتباره شريكًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي في ملفات الأمن والهجرة، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن استمرار التوتر قد يحمل مخاطر على العلاقات الإقليمية، بما في ذلك علاقات الرباط مع شركائها الدوليين.
وتحظى مكانة المغرب باهتمام خاص لدى إسرائيل، في ظل العلاقات التي تطورت بين البلدين بعد اتفاقات أبراهام، إذ تعتبر تل أبيب الرباط شريكًا مهمًا في شمال أفريقيا ومجالات التعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي.
وبحسب التحليل، فإن أي اضطرابات داخلية أو تغيرات سياسية قد تؤثر في طبيعة هذه العلاقات، خصوصًا مع وجود حساسيات مرتبطة بالرأي العام المغربي تجاه ملفات إقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
في المقابل، يشير التقرير إلى أن استمرار التعاون المغربي مع شركائه الدوليين قد يعزز مكانته كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا، خصوصًا في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والاستثمار.
وتكشف أزمة سبتة ومليلية أن الموقع الجغرافي للمغرب يمنحه أهمية متزايدة في الحسابات الأوروبية والدولية، فيما يبقى مستقبل التعامل مع ملف الهجرة مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنية على تحقيق توازن بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية.




